تقرير بحث السيد كمال الحيدري لحيدر اليعقوبي
50
شرح الحلقة الثالثة ( الدليل الشرعي )
فمثل هذه القواعد الأصولية التي أسسها العلماء في علم الأصول كانت تشكّل الغطاء الصناعي والعلمي الذي أُقيمت عليه تلك المسلّمات والأطر الفقهية ، إذ لا يوجد واحد من تلك المسلّمات إلّا ويوجد عليها إجماع منقول أو شهرة أو عمل للأصحاب ونحو ذلك من القواعد التي بُني عليها الفقه الموروث عندنا . حتى انتهى الأمر إلى العصر الثالث وجاء دور الشيخ الأنصاري ومن تبعه من المحقّقين فأشكلوا على هذه القواعد واحدةً بعد الأخرى ، فناقشوا في حجّية الإجماع المنقول والشهرة ؛ وتأمّلوا في قاعدة انجبار الخبر الضعيف بعمل الأصحاب ، ولعل الأستاذ السيد الخوئي كان من أوائل من بنى على هذا في فقهه ، وهكذا تهدّمت كلّ هذه القواعد الأصولية التي كانت تؤمّن الغطاء العلمي لتلك المسلّمات الفقهية ، ولكن هؤلاء الذين هدموا هذه القواعد في علم الأصول كالشيخ ومن تبعه لم يهدموها في الفقه ، بل بقي علم الفقه محافظاً عليها وإن كانت لا دليل على حجّيتها في الأصول ، والسبب في ذلك يرجع إلى تلك الحالة النفسية التي كانت تمنع الفقيه عن أن يسقط تلك المسلّمات وإن سقط دليلها العلمي في الأبحاث الأصولية . فلم يكن المانع عن رفض تلك المسلّمات الفقهية هو وجود دليل علمي عليها ، بل كان المانع هي تلك الحالة الوجدانية والقناعة النفسية بالمحافظة على تلك الأطر الموروثة في الفقه المتعارف . ومن هنا نجد أنّ المحقّقين المتأخّرين عن الشيخ الأنصاري بدأوا محاولة جديدة لتأسيس قواعد أصولية تعوّض عمّا هدموه ؛ لأنّه لا يمكن الالتزام بتلك المسلّمات من دون وجود دليل عليها ، وهنا خطر على بال المحقّقين المتأخّرين أنّ السيرة العقلائية يمكن أن تكون تعويضاً مناسباً عمّا هُدم بمعول الصناعة العلمية من تلك القواعد ، ولذلك نرى أنّ السيرة العقلائية كان لها دور كبير وواسع في كتب المتأخّرين وخصوصاً السيّد الخوئي ، وأصبحت السيرة هي الدليل على إثبات كثير من تلك المسلّمات ،